دكتور عبد العزيز الدوري
31
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
تذكرنا أنّ الأنباط كانوا يحبون الانتساب إلى الفرس بعد مجيء العرب ، واسمع الشاعر يقول : وأهل القرى كلّهم يدّعون * بكسرى قباذ فأين النبط ؟ وهكذا ترى في العصر العباسي استمرارا للعصر الأموي وتتمة له . وإن حصل تطور فذلك تدريجي وطبيعي . ومن الخطأ أن نفترض ، كما تريد المصادر ، أنّ التطور حصل بطفرة واحدة عند مجيء العباسيين . - 6 - وثمة مشكلة أخرى تقع تبعتها علينا لا على مصادرنا ، وهي أننا لا نميز نوعها أحيانا . ففي بحث النظم والضرائب والخلافة ننظر إلى كتب الفقهاء ، وهي تصور لنا دساتير النظم المختلفة بشكل مثالي لا بحقيقتها العملية . وهي بشكلها الثابت المتبلور تعطي الانطباع بأنّ النظم سارت وفق هذه الدساتير ، أو أنّ النظريات وضعت أولا ثم عملت التنظيمات في ضوئها واستمرت كذلك . ولكن التدقيق يدل على أنّ تلك الدساتير لم تكن موجودة عند بدء النظم ، وإنما كتبت متأخرة بعد خبرة طويلة مرت بها المؤسسات ، فوضعت لتمثل خلاصة الخبرة والتجارب مهذبة مرتبة ومرفوعة إلى الصورة المثالية التي تعرضها كتب الفقه . فإن أردنا معرفة النظم وجب علينا الرجوع إلى كتب التاريخ وملاحظة النبتة من أولها ، ثم متابعة نموها وتطورها خلال الفترات المختلفة . وما الدساتير في كتب الفقه إلا ما يقابل « النظريات السياسية » في الوقت الحاضر . ولذا وجب علينا أن ندرس الناحية العملية لنفهم التطور ، ثم ندرس كتب الفقه لنرى التفكير السياسي أو المالي أو الاجتماعي المتعلق بتلك النظم . وفي الحديث عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي نكيل اللوم على مصادرنا ونتهمها بإغفال هذه النواحي ، وندعي أنّ مؤرخينا لضيق أفقهم أو لنوع ثقافتهم أهملوا الأمة وتطورها ، وما ذلك إلا لجمودنا على كتب التاريخ المعهودة . ولكن النظرة الشاملة إلى تراثنا التاريخي تنقض هذا . فهناك طائفة من الكتب تعنى عناية خاصة بالموضوعات الاجتماعية والاقتصادية مثل كتب القصص التاريخي ( ك نشوار المحاضرة للتنوخي ) وبعض كتب الأدب ( ككتب الجاحظ ) ، وكتب السير والتراجم والوفيات ، وكتب الجغرافية والرحلات . فهي كنز ثمين مليء بالمعلومات الطريفة لمن يريد الكشف عن التطورات الاجتماعية والاقتصادية . ولكننا نضع تبعة ضعفنا وقلة تدقيقنا على من سلف دون تدبّر .